احمد الفيتوري - تمسان

- مات الممرض الراهب ----
إكتسب مهارة التمريض على يد الفرنسيس الذين تدرب على أيديهم زمن الانتداب الفرنسي لفزان. بعدها صار الممرض الشامل لسكان قريته "تمسان". ليس هذا كل ما في الامر، فوظيفته فاقت اعراف ممارسة التمريض التي عادة يحدها مبنى "العيادة" او "مستوصف" و دوام عمل محدد لايُلزم الممارس بمقابلة أي مريض بعد انقضائه. لا يكتفي الحاج احمد الفيتوري بمعاينة مرضاه في العيادة الصغيرة بل يتابعهم ليلاً في بيوتهم. ولطالما تنقل بين مرضاه طوال الليل خاصة في مواسم انتشار العقارب. كان من المعتاد جداً وهو عائد من تمريض احدهم ليلاً أن يجد من ينتظره أمام بيته طالباً مرافقته لمعاينة شيخاً عجوز أو ملسوع بعقرب. حتى عند تطور الرعاية الصحية في عيادات الدواخل والتعاقد مع أطباء أجانب للعمل في تلك العيادات، ظل الحاج أحمد الوجهة الاولى لشرائح كبيرة من المرضى رغم التأهيل العالي للطبيب المغترب بالعيادة. الكثير من المرضى كبار السن يعود القهقرى متى ما علم بعدم توفر الحاج احمد بالعيادة. قطعاً لا علاقة لهذه المسألة بكفاءة الطبيب المغترب لكن من المؤكد ان للثقافة الشعبية دورها، تلك التي لا تُحصِر الكفاءة في المؤهل العلمي بل تراعي طريقة تناول الطبيب لمرضاه و حسن تعامله معهم وتحمل الطبيب لمختلف الاكراهات الاجتماعية المصاحبة لمعالجة مرضاه وخاصة في الدواخل. نت الإكراهات التي كان يتعرض لها الفقيد أنه كان مجبرا على تناول طعام أهل المريض اثناء ملازمته له في بيته، رغم أنه ممنوع من تناول بعض الاطعمة. ذات مرة حدثني من أثق بكلامه أنه في أحد مواسم إنتشار لذغ العقارب كان الحاج أحمد يبيت في فناء بيته استعداداً لأي مُبلغ عن إصابة لذغ ليسعفها مسرعاً.
بعض الاشخاص وهبهم الله ملكات غير اعتيادية ليحملوا اعباء اضافية فهم لا يستوون مع غيرهم. فإضافة لأعباء الرعاية الصحية التي تكبدها الفقيد فهو الساعي في لجان المصالحة وفض النزاعات في قريته وفي القرى المجاورة. فتقواه وخلقه الرفيع وسمته ليس محل خلاف لكل من عرفه من المختصمين، كل ذلك جعله مفتاحاً لفض اغلب النزاعات التي تدخل في حلها.
و مثلما كما قال شاعر الاندلس - أبو البقاء الرندي - (لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ)، هكذا فقد أسدل المولى عز وجل الستار على حياة رجل خيّر عاش لربه ولنفع الناس، أولم يروّي عن المصطفى أنه قال: (خيرُ الناسِ أنفعهم للناس).
اللهم أغفر له و أرحمه

المصدر : د أ عبدالمجيد حسين