متصرف ومحافظ مدينة سبهاالمرحوم الأُستاذ محمد بشير الهونيوالمعروف بمسقط رأسه بالجفرة بإسم محمد بشير أفندي..من مواليد مدينة هـون في 15 أكتوبر من العام 1923موقد عاش فيها طفولة صعبة حيث توفى والده وهو في سن مُبكرة كما توفيت بعدها والدته نتيجة لمرضها بعد إنجابها لطفلة أثناء عملية تهجير كامل لأَهالي هون من بلدتهم إلى الشمال كعقاب جماعي لهم بعد مشاركة أبناءها في معركة عافية ضد المستعمر الايطالي البغيض والتي دارت وقائعها في 30 أكتوبر 1928 ،حيث كانت فيها هـون قاعدة خلفية للمجاهدين في تلك المعركة والتي من تبِعاتها أيضاً إعدام19 مجاهداً من مشايخ وأعيان المدينة في مشهد حزين ظل حاضراً في ذاكرته كما في ذاكرة المدينة وأهلها وإلى يومنا هذا .بعد العودة من مأساة التهجير والذي أستمر قرابة الثلاثة أعوام التحق المرحوم بالمدرسة الايطالية في مسقط رأسه في ثلاثينيات القرن الماضي وحصل منها على الشهادة الإبتدائية والتي مكنته من إتقان اللغتان العربية والايطالية كتابة وقراءة .بدأ حياته المهنية مبكراً وهو في الخامسة عشر من عمره موظفاً في البريد مما مكنه من التجول في أنحاء فزان وتكوين علاقات ومعارف جيدة بمناطق فزان ، و بعد الحرب العالمية الثانية، في زمن الادارة البريطانية عمل موظفاً في متصرفية الجفرة والتي منحته لقب (أفندي)، لذا عُرف فيها باسم / محمد بشـير أفنــدي.كان رحمه الله في شبابه ناشطاً سياسياً كما كان محباً للعمل الأهلي وضليعاً فيه حيث أسس وأشهر في عام1951م مع مجموعة من أصدقائه من شباب مدينته هـون نادياً رياضياً تحت مُسمى النادي الأهلـي بهـون (نادي الاخـاء حالياً) وهو أول ناد يشهر في عموم فزان وأحد الأوائل على مستوى البلاد، وقد تقلد منصب أول رئيس مجلس إدارة له ،كما كان عصامياً شغوفاً بالقراءة وقد ثقف نفسه بنفسه ، حيث كان مشتركاً في العديد من المجلات المصرية والتي كانت تصله عبر البريد مثل المصور وآخر ساعة كما كان يحب إقتناء وقراءة كتب الأدب والسياسة وكانت حصيلة هذا الإهتمام ثقافة واسعة ومكتبة كبيرة تحتوى على أمهات الكتب وغيرها من كتب السياسة والأدب وعلم الإجتماع والثقافة العامة ظلت دائماً أنيسة جلساته كما كان يشجع الشباب في مدينة هون على القراءة و يعيرهم الكتب والمجلات التي يمتلكها مما ساهم في توعيتهم ونشر ثقافة القراءة بينهم ونتيجة لمساهمته تلك هناك من أصبح منهم من الكُتاب والأدباء المعروفين .ومن الأشياء التي كان يذكرها عن طفولته أنه وبالرغم من العوز الذي كان يعانيه وقد عاش طفلاً لطيماً وكان يتأسف على كل يوم يضيع منه بدون أن يقراً فيه شيء يطفئ به نهم عقله أكثر من تأسفه على عدم حصوله على طعام يسد به رمقه .كان أيضاً يهوى الشعر ويؤلف قصائده بالعامية وله العديد من الأشعار الغنائية والتي تُنشد اليوم في منطقة الجفرة وتعرف بقصائد النخيخة والتمشيط، كما كان لكلماته مغزى باطن مثل مقدمة هذه القصيدة العامية والتي تجسد واقعنا وحال الكثيرين منا اليوم :حبس خاطري ربي يفرج كربه ... نبو نقربوا من الوطن زدنا غربه .أو كما هو في مطلع قصيدة أخرى:يا برج بيزا يا مثار السائل ... شن ثبتك وأنت قباله مايل !(برج بيزا موجود في المدينة الايطالية التي تحمل نفس الإسم والمعروف بميوله وبقائه على هذا الحال)وقد توقف عن كتابة الشعر وروايته مبكراً وبإرادته خوفاً من أن يطغى على حياته ويهيم في وديانه ويصبح ديدنه وإن ظل مهتماً بقراءة كتبه وتذوق قصائده حتى بعد أن تقـدم به العمر .وفي نهاية الخمسينات من القرن الماضي وبعد اكتشاف النفط في عمل المرحوم في إدارة إحدى حقوله في شركة أسّـو الامريكية (الواحـة حالياً) لمدة من الزمن مما أكسبه مبادئ اللغة الانجليزية كما تعلم أصول الادارة الحديثة وتمكّن منها.سنة 1960 وبعد نقل تبعية منطقة الجفرة من ولاية طرابلس إلى ولاية فزان تلقى المرحوم عرضاً بالعمل في مقر الولاية بمدينة سبها حيث إنتقل إليها وأسرته الصغيرة والتي بدأها قبل ذلك بزواجه من كريمة المرحوم الشيخ عبد الرحمن حصن الهوني والتي أكرمته بستة أولاد وبنتين يحملون إسمه اليوم، وعاشا مخلصان لبعضهما في حياة عائلية هادئة مفعمة بالود، وقد أمد الله في عمر زوجته (الحاجة فاطمة) بعده إلى أن انتقلت إلى رحمته في يوم 2004/11/10 .بدأ المرحوم عمله في ولاية فزان كسكرتير للمجلس التنفيذي للولاية ،تم وبعد إلغاء النظام الاتحادي في العام 1963م عمل سكرتيراً للمحافظة تم متصرفاً لمتصرفية سبها وبعد سبتمبر 1969م أصبح محافظاً لمحافظة سبهـا ،ونتيجة لتولي الجيش السلطة في البلاد وبعد تكليف أحد الضباط بمنصب المحافظ عُين المرحوم نائباً للمحافظ وعمل محافظاً بالوكالة وأستمر على ذلك حتى منتصف سبعينات القرن الماضي ،ومن ضمن بصماته اليوم في مدينة سبها هو من اختار الموقع الحالي لمستشفى سبها المركزي (المعروف بمستشفى 2 مارس) علي ضفة شارع جمال عبد الناصر ،( الشارع الرئيسي للمدينة وأنت مقبل عليها من مطارها)، ليعطي لمسة جمالية وحضارية للمدينة مع تخصيص مساحة كبيرة له لإمكانية توسيعه لاحقاً وإضافة مرافق صحية له مستقبلاً والتي من ضمنها اليوم المعهد الصحي والمخازن الطبية .بعد إلغاء نظام المحافظات والتوجه للبلديات إنتقل المرحوم ليكون المدير الإداري لمؤسسة الاسكان في مدينة سبها حيث أمضى فيها فترة أخرى من العمل تم نقل إلى مصلحة السجل العقاري ليتقاعد بعد أن أمضى قرابة الخمسين عاماً في العمل الأهلي والحكومي والوطني الجاد والمخلص.تم تكريمه في أول إحتفالية في يوم الوفاء في مدينة سرت في الثلاثين من سبتمبر من العام 1989م على تفانيه وإخلاصه في خدمة وطنه طوال عمره المهني .إنتقل إلى جوار ربه يوم 1996/12/04م في مدينة سبها والتي أحبها وأهلها وربى بينهم أبناؤه وأعطاهم كل وقته وجهده والذين بادلوه ذلك كل محبة واحترام ليدفن فيها يوم 1996/12/05م .رحمه الله رحمة واسعة إنا لله وإنا إليه راجعون