العصر الحجري القديم
الكاتب: فزان اساطير و تاريخ بتاريخ: 01/11/2024
كان الجزء من سطح الأرض الذي يعرف اليوم بفزان والصحراء الكبرى عموما في العصور التي واكبت بدايات الإنسان على سطح الأرض ( العصر الحجري القديم) عبارة عن غابات مطيرة تزدهر فيها الحياة النباتية والحيوانية. في هده البيئة وجدت مجموعات من البشر مكانا ملائما للعيش أقاموا داخل كهوف في سلاسل الجبال المنتشرة في المنطقة ومارسوا الصيد بأسلحة حجرية كوسيلة للعيش إضافة لما تجود به الغابات من ثمار. سجل هؤلاء البشر الكثير من نشاطاتهم على شكل صور ونقوش على جدران الكهوف التي عاشوا فيها والتي تعد المصدر الوحيد لمعرفتنا بهؤلاء الناس.
و بحلول الفترة التي تعرف بالعصر الحجري الحديث أي قبل بضعة آلاف من السنين (9000-4000سنة) كانت الطبيعة الجغرافية تغيرت تدريجيا عما كانت عليه. بدأ منسوب المطر يقل والأراضي الصحراوية تحل تدريجيا محل الغابات المطيرة إلا أن بعضا من الأودية في المنطقة ظلت محافظة على وفرة الحياة النباتية والحيوانية فيها نظرا لقربها من خزانات المياه الجوفية التي تراكمت في العصور المطيرة والتي كانت تخرج إلى السطح على شكل ينابيع وبحيرات لا يزال بعضها موجودا إلى اليوم. في تلك الفترة قست الظروف الطبيعية نوعا ما على سكان الكهوف البدائيين المعتمدين على الصيد وجمع الثمار، إلا أن القسوة الأشد التي تعرضوا لها كانت من قبل القبائل الأكثر تطورا التي هاجرت إلى المنطقة من مكان مجهول لتحتل أراضيهم وتطاردهم على ظهور العربات التي تجرها الجياد.
أشهر تلك القبائل(( الجرمنت)) حلوا محل السكان الأصليين ونقلوا البلاد نقلة حضارية هائلة وأسسوا حضارة عظيمة استمرت حتى الفتح العربي في القرن السابع الميلادي.
كما قلنا إن أصل الجرمنت لا يزال غامضا ومحل تخمينات لكن الأكيد أنهم كانوا أناسا متحضرين مقارنة بسكان البلاد الأصليين فقد كانوا تعلموا الزراعة و استئناس الحيوان وكانوا يتنقلون على عربات تجرها الخيول. استيطانهم لفزان يرجع إلى بدايات العصر الحجري الحديث ربما قبل أن يكتشف الإنسان في سومر ووادي النيل الكتابة وأقدم نص تاريخي يتحدث عنهم يرجع فقط إلى القرن الخامس قبل الميلاد عندما دون أبو التاريخ هيريدوت ملاحظاته عن رحلته الشهيرة والتي مرت به بأرض الجرمنت، فيصف بلاد الجرمنت برواب من الملح تكثر فيها الينابيع و أشجار النخيل المثمرة ويصف حضارة الجرمنت بالحضارة العظيمة فيقول أنهم كانوا يضعون التربة الخصبة فوق روابي الملح ويزرعونها ولفت انتباهه ثيران الجرمنت التي تسير للخلف عند رعيها حتى لا تغوص قرونها في التربة إضافة لعرباتهم ذات الخيول الأربعة التي يستخدمونها لمطاردة سكان الكهوف والدين سماهم بالإثيوبيين وذكر أن سرعتهم في العدو أكثر من أي قوم وصلتنا أخبارهم.
في عام 84 ق م احتل الرومان المستوطنات الفينيقية على شاطئ البحر المتوسط (لبدة، صبراتة، وأويا) ومند دلك الحين نشأ صراع طويل الأمد بين الرومان والجرمنت وصل إلى ذروته في عام 26 قبل الميلاد عندما أرسل بالبوس الروماني حملة ضخمة على بلاد الجرمنت، كانت هده الحملة المصدر الرئيسي للقسط الأكبر من معلوماتنا حول الجرمنت من خلال كتابات المؤرخ بليني عن مجريات تلك الحملة ووصفه لبلاد الجرمنت.
يبدأ بليني بوصف البلاد من الشمال إلى الجنوب، (( أولا (فزانية) وقبيلة (فزاني) وتسكن شمال الجبال السود وتمتد غربا حتى سدامي (غدامس الحالية). بينما جنوب الجبال السوداء يوجد الجرمنتيون في مدينة ثلجة وبرديس التي يفيض بقربها نبع تغلي مياهه في منتصف النهار وتتجمد في منتصف الليل ثم يذكر جرمة ويصفها أقدس مدينة عند الجرمنتيين و يذكر مناطق ومدن أخرى لم يتم التعرف على المواقع الحالية لأغلبها (( مدينة تبوديوم، شعب نيترس، شعب بوبيوم، شعب أبني، مدينة ثوبان، الجبل الأسود، نتيبرم، مدينة رابسة (يعتقد أنها غات الحالية)، شعب فسيرة نهر نثابور، مدينة ثبساجوم، شعب تيماجي، مدينة بوين (يعتقد أنها بونجيم الخالية)، مدينة برق،سيلابة (يعتقد أنها زويلة الحالية) نهر دسيباري ومدن براكوم (يعتقد أنها براك) وبالوبة وعلاسط وقسلة وبللة ومكسلة وسيزانية وجبل جيري الدي وصفه بمكان انتاج الاحجار الثمينة)).
في العهود المتاخرة تحسنت العلاقة بين الرومان والجرمنت لدرجة أن موقفهم خلال ثورة تكفيرناس على الرومان كان داعما للرومان. و في عام 86 بعد الميلاد وقعت حرب أهلية بين المستعمرتين الرومانيتين لبدة وأويا وكان أهل أويا اقل عددا من أهل لبدة فاستنجدوا بالجرمنت الدين هاجموا لبدة ودمروها إلا أن الإمدادات التي أرسلت إلى لبدة هزمت الجرمنتين واستردت منهم أغلب ما نهبوه.
بنهاية القرن الميلادي الأول أصبحت العلاقة بين الرومان والجرمنت أكثر ودية لدرجة أن الحملات الرومانية كانت تسير لدواخل أفريقيا بمساعدة الجرمنت أنفسهم. وفي نهاية القرن الثاني الميلادي قام الرومان ببناء قلاع في مدن جرمنتية شمالية بوين (بونجيم) سدامي (غدامس).
مابين بداية القرن الثالث الميلادي ومنتصف القرن السابع الميلادي لايكاد يوجد ذكر للجرمنت في المصادر التاريخية .