فزان .. الجنوب الذي كان ليبيا
الكاتب: المهدي يوسف كاجيجي بتاريخ: 10/03/2025
فزان بسكانها الذين لا يتجاوز عددهم الأربعين ألفا، ومساحتها التي تبلغ ربع مليون ميل مربع، هي أكثر مناطق ليبيا فقرا. اتصالاتها بدائية، مركز تلغراف وطائرة بريد فرنسية تصلها كل اسبوعين . تحت الحكم الإيطالي كانت شكلا من أشكال ألمنفى. الصحة معدومة والذباب كثيف. ما من أحد يهتم بطرده عن وجهه. أما العمي ألجزئي أو ألتام ومرض التراكوما متواجد دائما. لولا ألمحرك والراديو والطائرة لأنقطعت فزان عن ألخارج كما كانت منذ ألف سنة.) هذه فزان كما
استلمها الأباء المؤسسون بعد أعلان أستقلال ليبيا وبعد أن رفض اًلفزازنة بقيادة ألمجاهد أحمد سيف ألنصر كل الأغراءات الفرنسية بأقامة حكم مستقل وأصروا علي ألالتحاق بليبيا الفقيرة ألموحدة، بشهادة " هنري سيرانو فيلار " اول سفير أمريكي في ليبيا كما وردت في مذكراته: " ليبيا .. المملكة العربية الجديدة في شمال أفريقيا ".
الجيش ألليبي يا مقواه !!
في عام 1956م كنت طالبا في مدرسة سبها المركزية . تم ترتيبنا في صفوف على جانبي الطريق المؤدي من مطار سبها إلي مركز الحكومة، بمنطقة ما كان يطلق عليها وقتها " البناية " للمشاركة في الأحتفال بجلاء القوات الفرنسية عن ولاية فزان، وتسليم القلعة او كما كان يطلق عليها " القارة " للجيش الليبي. عند وصول الموكب الرسمي الذي كان يضم السيد مصطفي بن حليم رئيس مجلس الوزراء والسيد سيف النصر عبدالجليل رئيس المجلس التنفيذي لولاية فزان وكبار رجال الدولة وعددا من ضباط الجيش انطلقت الهتافات مرددة " الجيش الليبي يا مقواه ... فرنسا طارت من بحداه " . سبها التي عرفتها منذ ذلك الوقت، لم تكن بعيدة عن وصف السفير الأمريكي. كان التعداد الرسمي خمسين الف نسمة ، والميزانية المخصصة لحكومة الولاية خمسين الف جنيه، اي لكل فرد جنيه فى العام، وبهذا الجنيه وحكمة الأباء المؤسسين تطورت البنية التحتية وخاصة في قطاع التعليم والصحة فانتشرت المدارس والمستوصفات الطبية، وكنا كطلبة نحصل علي وجبة غذائية ويصرف لنا حبوب زيت كبد الحوت لمعالجة جفاف الجلد وتشققاته الناتج عن سوء التغذية. اختفت أمراض التراكوما، وأوفدت البعثات التعليمية إلي معاهد المعلمين في طرابلس، والمعاهد الدينية لتكوين مدرسين. وانتشرت المكتبات وانشطة الشباب الرياضية والكشفية وفي سبها العاصمة انشئ ناد أجتماعي تحت اسم نادي الموظفين بمرافقه وحدائقه وملاعبه واحواض السباحة وأنا اجزم ان هذا النادي ومرافقه المتعددة لم يكن له مثيل في مدن ليبيا الكبري بما في ذلك العاصمة طرابلس.
فزان .. ألجنوب ألمنسي دائما!!
صدر المرسوم الملكي بالغاء النظام الاتحادي، وقسمت ولاية فزان إلي محافظتين، سبها وأوباري، وتمركزت الدولة في العاصمة. كنت ضمن العائلات التي انتقلت إلي الشمال، وسكنت طرابلس. ابتلعتنا أم السريا والشط والهاني، وانشغلنا بأنفسنا ونسينا أهلنا، من خلال العمل الصحفي. وفي ربيع 1969م تلقيت دعوة لزيارة مدينة جرمة الاثرية، وكانت فرصة للعودة وزيارة أماكن الصبا، فلبيتها بحنين وشوق بعد غياب طويل. لم تعد سبها التي أعرفها، كبرت المدينة واتسعت، اختلط المعمار قديمه وحديثه بشكل عشوائي .اختفت الوجوه التي أعرفها، شملت جولتي مدن وقرى محافظة أوباري، وكان من أمتعها واكثرها إثارة منطقة " الدوادة " وهو ألاسم الذي يطلق علي مجموعة قرى صغيرة، تتكون من قبرعون والمندرة، تقع على بحيرات محاطة بجبال من الكثبان الرملية، كان تعدادها السكاني عند زيارتنا 300 فرد تقريبا، معظمهم من كبار السن، بينما رحل الشباب عنها بحثا عن فرصة عمل، ويقال أنها كانت في القدم فوهات براكين، دفنتها الرمال. في بحيراتها يعيش نوع من الزغلان ،في شكل دود، يأكله السكان ولذلك أطلق علي المنطقة أسم الدوادة. الوصول اليها كان عن طريق ألجمال، وتطور الأمر بعد استخدام سيارات الدفع الرباعي " لاندروفر " والتي غنى لها الفزازنة أعجابا " يا زينة .. يا لاند روفر يا زينه .. يا قاطعة الصحرا بينا.. يا لاندروفر يا زينة " شريطة أن يكون سائقها خبير بالمنطقة. ولقد ذكرني الدكتور علي عبدالسلام عبد الوهاب من رفقاء الرحلة، بلطف الله بنا، في حادث السيارة الذي وقع لنا خلال الرحلة عندما طارت بنا لعدم معرفة السائق وتقديره لأرتفاع جبل الرمل العالي. في نهاية الرحلة ودعني الاصدقاء. وقال لي استاذي وصديقي المربي الفاضل الوافي القاضي رحمه الله: تذكر أن المركزية المطلقة للدولة في الشمال، أنعكس سلبا علي الجنوب، واالأهمال والنسيان قدر مكتوب علي فزان واهلها عبر كل العصور، فلا تنسونا. حفرت الكلمات الساخرة حزنا في قلبي، انعكس على سلسلة التحقيقات الصحفية التي نشرتها جريدة الحرية، تحت عنوان ( ألطريق إلي فزان.. لم يتغير أي شئ هنا وكذب من قال عكس ذلك ) كان للتحقيقات ردود فعل إيجابية، وكان أكثرها اثارة وتأثيرا ما كتب عن منطقة الدوادة، والصور المرافقة لها .. وكانت أياما.
ألآن .. ماذا يجري في فزان ؟!
تذكرت أيامي وانا اتابع الأخبار المتضاربة القادمة من فزان، والتي تؤكد أن الجنوب ألليبي يتعرض منذ وقت لمؤامرة مشبوهة، من قبل قوى أجنبيه، تعمل علي تغيير التركيبة السكانية فيه، وتسعى لتحقيق حلم استعماري واستيطاني قديم، لتقسيمه والحاقه بمناطق النفوذ لعدد من دول الجوار الأفريقي. الخص لكم ماكتبه الأستاذ ابراهيم هيبة، علي صفحته في هذا الشأن تحت عنوان " الصراع والأحتلال الأفريقي للجنوب ألليبي " والذي أوضح فيه أن الصراع في الجنوب الليبي ليس ليبيا، ولا يقتصر علي قوات المعارضة التشادية، كما يحاول الترويج له ، ولكنه تنفيذ لمخطط يهدف الأحتلال والسيطرة، وفرض نفوذ من قبل القبائل القادمة من تشاد ومالي وجنوب الجزائر والنيجر والسودان واستغلال الفراغ السياسي والأمني في الجنوب، لتحويل المنطقة إلي قاعدة انطلاق لمهربي البشر من أفريقيا ومهربي الأسلحة والمخدرات، وتمكن الكثير منهم من تزوير ألهويات والوثائق الثبوتية ألليبية، والأنخراط في الصراع الأهلي، والعمل علي تغيير الديمغرافيا السكانية في ألمنطقة بمشاركة بعض من الدول الكبرى مثل فرنسا، التي تسعى لحماية مصالحها، وتوفير الأستقرار لحلفائها، وكبح تدفق الهجرة غير الشرعية لأوروبا وطرح البديل الليبي كمساحة جغرافية واسعة، وإمكانيات اقتصادية هائلة، وتعداد سكاني قليل. كل ذلك يوفر للمهاجرين ملاذا أمنا وموطنا بديلا لأوروبا. ويمكن لمن يشاء الأطلاع علي الموضوع كاملا، علي صفحة الأستاذ أبراهيم هيبة.
فزان.. الجنوب الذي كان ليبيا !!
عندماصدر دستور المملكة الليبية المتحدة، نصَّ علي وجود عاصمتين، هما طرابلس وبنغازي، تتمتعان بنفس المنزلة ولقد علق السفير الأمريكي في مذكراته علي ذلك: (نظام مكلف وغير عملي، وتضارب للمصالح بين برقة وطرابلس. نظام لم نشهد له سابقة في أي مكان في العالم ) وعندها طرح السؤال علي أهل ألجنوب : بنغازي أم طرابلس ؟ كان الرد العفوي

وين الكرهبا نحنا الريموركو ) والمعني لجيل الأحفاد، أين ما تكون ألسيارة، فنحن القاطرة التابعة لها. حكمة اعتبرها الاشقاء في الشمال نكته، بالرغم من نبل المقصد، المعبر فيه عن الولاء المطلق للدولة ألليبية وقوانينها. الأن ، فقد الشمال القدرة على قيادة الدولة، وانشغل أهله بالصراع للحصول علي ماتبقى من الغنيمة، وفي غياب الدولة تم الأستفراد بالجنوب وأهله ، من قوى غازية تعمل علي اقتطاعه وانسلاخه عن الوطن الأم ، وبالرغم من خطورة ما يجري، انشغل الشمال غربه وشرقه ، في صراعات متلاحقة لا نهاية لها، وترك الجنوب يواجه مصيره وحيدا، ونسي الاهل في الشمال، أن اقتطاع الجنوب وسقوطه ، في يد قوى غير ليبية ، سيكون بداية النهاية لليبيا الوطن. ويا اهلنا في الجنوب، وفي الشرق والغرب، أدعوا الرحمن العظيم، أن يرحمنا من أنفسنا، ومما هو قادم.
* الصورة:للميليشيات الافريقية في الجنوب الليبي ويظهر في احداهما طفل مجند من منشورات صفحة السيد عبدالحميد الزوي.