ليبيا جدل التاريخ والجغرافيا

الكاتب: أحمدناصر محمد أقرين بتاريخ: 24/12/2024





ــــــ

ـــــــــــــ ليبيا جدل التاريخ والجغرافيا ـــــــــــ


رغم عراقة الإسم, إلا أنها ككيان مستقل بذاته حديث وحديث جداً.
منذ حوالى قرنين فقط من الزمان, بزغت كوحدة سياسية في طور التشكل . وظهرت على مسرح العالم ملامح شعب بخصائص معينة تنبع وتنبثق من جغرافيا شاسعة مترامية متنوعة صعبة التضاريس حادة المناخ .
شعب ٌ كان يتشكل على مهل ٍ من خليط من الشعوب التي مرت عبر مواكب التاريخ على هذه البقعة . وعبر الشد والجذب من القوى المحيطة بها والمؤثرة عليها من أثينا وروما وقرطاج والاسكندرية وعبر غزوات وهجرات متلاحقة من نجد والأناضول والأندلس وتمبوكتو وبرنو, من جزيرة العرب الى البحر الأسود و بحر ايجة ومن جبال أطلس الى عمق أفريقيا. وُلِدهذا الشعب الذي ننتمي اليه جميعا , والذي انصهر بهذه الأرض وتغلغل على مدى سنين في كل بقعة فيها .
ظهر هذا الشعب للوجود بكراً, لا يحمل على كاهله ثقل التاريخ وأوزاره, ولا يتشدق بمنجزات أسلافه وفضائلهم, ولا ينؤ تحت عبء المحافظة على سيرتهم وابداعاتهم .
شعب ( مليان صبر ورويان عناد ) . أعلن عن ظهوره بالصدام العنيف مع قوة ناشئة حديثا ُ عبرت المحيط وجاءت للتحرش بنا ((حرب السنوات الأربع ))
نعم, نستطيع نحن الليبيون التنصل من تاريخ البشرية جميعه, ونصرخ بكل عنفوان وشراسة :- لقد ولدنا ككيان في تلك اللحظة التي التي أُصطلـِح على تسميتها بالعهد القرمانلي . مع ملاحظة أن هذا يتزامن مع نشؤ الدول الوطنية المجاورة ( أسرة محمد علي في مصر, المهدية في السودان, أسرة الباي في تونس, الداي في الجزائر, وربما حتى الوصول الى آل اسعود......) في فترة اضمحلال الامبراطورية العثمانية وتفكهها . ومع بدء نشؤ فكرة الوطن وصراعها مع فكرة الأمة . وهي حالة لازالت تلعب دوراً حاسماً ومهماً حتى الفترة الراهنة , في مجمل هذه البقعة الجغرافية الكبرى , والتي تعرف بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا .
فها هو ذا شعبٌ حديث الولادة, حديث التشكل والاندماج . ستوحده بعد ذلك أحداث التاريخ المؤلمة والفاجعة, ولعل اهم عامل توحيد هو الاحتلال الايطالي ( وهذه مفارقة تاريخية لا يمكن إغفالها ) . وستصهره وساوس المصير المشترك وحتميته ربما . وستفرقه تناقضات داخلية موجودة في طبيعة تشكُّلِه, وجدت فرصتها للظهورعلى السطح, بسبب التغاضي عن معالجتها ومحاولة تسويتها سابقاً , مما يعرض الكيان الليبي كله للتشتت والانفراط .
وقد لا نستطيع مقاومة الجغرافيا, لكن يمكننا تطويعها لكتابة تاريخ يليق بأن نتركه لأحفادنا . تاريخ يقول لهم أننا رغم كل شيء استطعنا أن نحافظ على تماسك هذا الوطن ولم نعرضه للاندثار والتلاشي .
وللوصول الى هذا يتعين علينا ايجاد توصيف دقيق للحالة الليبية ,وتحديدطبيعة الصراع الداخلي وأبعاده (الصراع الخارجي موضوع آخر لا يسمح المقام هنا للتطرق اليه)
كما أظن فإن التوصيف الصحيح للحالة الليبية أنها حالة حرب أهلية . ولا أدري لماذا نخجل (نحن الليبيون ) من هذا الوصف .
أدت الحرب الأهلية الى فراغ سياسي (فراغ في السلطة وانقسامها الى سلطات تتنازع فيما بينها ) وكان السؤال الأكبر الذي وراء الأحداث ,والمـُعبّر عنه ضمناً هو سؤال الشرعية . من يحق له امتلاك السلطة وممارستها , وكيف و سواها من الأسئلة المتفرعة من السؤال الأكبر .
مرت الحرب الأهلية الليبية بثلاث موجات ٍ كبرى تخللتها تموجات صغرى , كانت نتيجةً لما سبقها وتمهيداً لما سيلحقها .
الموجة الأولى بدأت مع تحول احتجاجات عنيفة ضد السلطة العنيفة القائمة آنذاك الى صراع مسلح .حيث انقسم الليبيون الى فريقين كبيرين , فالكثير ممن رأى أن له مصلحة (مباشرة أو غير مباشرة ) في بقاء تلك السلطة أو حتى من راهن على بقائها انضم الى فريقها ومن رأى منهم مصالحه في زوالها أو راهن على زوالها وقف مع الفريق المناهض لها .
الموجة الثانية كانت مع حرب المطار سنة 2014 وفيها انقسم المناهضون للسلطة السابقة الى فريقين كبيرين وانقسمت السلطة ومؤسساتها فيها الى شطرين لم يلتئما حتى الآن .
الموجة الثالثة مع حرب طرابلس يوم 4/4 . وقد كانت في كثير من دوافعها تسوية حسابات مُرحّلة من الموجتين السابقتين .
لم يكن الصراع بين خيرٍ وشرٍ أو بين حقٍ وباطلٍ , لكنه صراع إراداتٍ يُعبّر عن خللٍ راسخٍ في نشأة وسيرورة الكيان الليبي بأكمله .
ولتحديد طبيعة الصراع الداخلي . يستوجب وضع فرضيتين عامتين و فرضية ثالثة خاصة بالكيان الليبي .
1 ) إن الصراع هو لب العلاقات البشرية ,أفراداً وجماعاتٍ . حتى علاقات العشاق لا تخلو من الصراع والذي تتم تسويته بحميمية بدلاً من العنف .
2) قد يكون التاريخ غير صادق أحياناً . لكن لا شيء أصدق من الجغرافيا في معطيات التاريخ الكثيرة . والجغرافيا تستلزم بالتأكيد ديمغرافيا .
3) إن ليبيا دولة غصباً عنها . فهي منطقة فراغ تاريخي كبيرة بتركزات سكانية متباعدة وفجوات شاسعة بين أقاليمها الثلاثة . وهي ككيان موحد تعاني اجمالاً من عدم التجانس الديمغرافي . ولم تترسخ بها هوية وطنية جامعة حتى الآن .
فلطالما كان مفتاح برقة يكمن في الاسكندرية . وحتى اليوم لازال بطريرك الاسكندرية يحمل اسمه الرسمي ( بطريرك الاسكندرية والمدن الخمس)كما أن مفتاح طرابلس يكمن في قرطاج أو القيروان أو المهدية أو تونس .
لدينا اقليمين كبيرين يتصارعان فيما بينهما واقليم ثالث صغير يُشكّل في بعض مراحل الصراع منطقة نفوذ لكليهما .
الاقليم الأكبر- طرابلس الغرب مصدر قوته الأساسية هو الزخم السكاني الكبير مقارنة بغيره . لكن يعوزه التجانس الديمغرافي ,مما يحيله الى ساحة حروب قبلية ومناطقية مهما تغلفت بأغطية ايديولوجية ودعاوى تنزيهية . بخلاف الاقليم الآخر (برقة) الذي يمتاز بتجانس ديمغرافي يعصمه من مثل هذه الحروب . ليعوض بهذا التجانس الزخم السكاني الذي يميز اقليم طرابلس, بما يجعله نداً له في الصراع . يبقى اقليم فزان, دون زخم سكاني ودون الحد الأدنى من التجانس الديمغرافي, الأصغر والأضعف في هذه المعادلة .
نشأ الكيان الليبي منذ الاستقلال تحت مظلة الأمم المتحدة ,اعتماداً على شرعية التوافق بين الليبين , والتي سرعان ما تم استبدالها بشرعية المغالبة (وهذا موضوع آخر لا يسمح المجال هنا للتطرق اليه )
ولازال الليبيون الى اليوم يسعون للعودة الى شرعية التوافق بألسنتهم ويعملون بمقتضى شرعية المغالبة بأياديهم .
لن أتحدث عن دستور أو انتخابات أو تشكيل حكومة ما . فهذه كلها أمور لاحقة وتفاصيل تأتي بعد العمل الجاد لتوحيد الإرادات المتضادة في إرادة واحدة تُلبي الحد الأدنى من التجانس المطلوب , والذي يسمح ببلورة موقف ليبي واحد موحد ينبثق من معاناتنا جميعاً ويُعبّر عنا بتوازن .
لا مناص من العمل على ترسيخ هوية جامعة لكل الليبين . ولا يمكن للمغالبة أن تجمع مكونات هذا الشعب طويلاً .فليبيا بطبيعتها (الجغرافية والبشرية ) لا يمكن لها أن تستمر سوى بالتوافق .
فنحن لسنا ملائكة أو شياطين . فما نحن سوى بشر تحكمنا طبائع البشر بفضائلها ورذائلها .
......نحن ليبيون (شئنا أم أبينا ) ننتمي لهذه البقعة المترامية الأطراف والمتنوعة التضاريس من شاطيء طويل يتوسط بحراً يتوسط هذا الكوكب الى جبال وعرة وصحارى موحشة يصعب على الكثير من الكائنات تحمل العيش فيها .
نحن ليبيون, ليس لنا سوى هذا الوطن, سواء رضينا به كما هو أو سخطنا عليه واستهزأنا به أو حتى كرهناه حد البغض ..........
وكما يقال فإن القوة المتجهة للخارج هي محصلة القوى الداخلية مجتمعة .
وليس بمقدورنا أن نواجه مطامع العالم وإغراءاته دون اتحاد هذه القوى الداخلية واتفاقها على الحد الأدنى الذي يسمح ببلورة مشروع يُفضي الى العيش المشترك بإتزان دون أن يتفاخر أحدٌ على أحدٍ أو يزدريه أو يغمطه حقه . وإلا فإن المأساة الليبية تسير نحو المزيد والمزيد من التعقيد والتشابك بزيادة تشابك وتضارب مصالح القوى الاقليمية والدولية . الخلل يكمن فينا وغيرنا يستفيد من هذا للتدخل وإلامساك بخيوط اللعبة المحلية, والحل ينبع منا حتى يضطر الآخرون الى أخذ إرادتنا على محمل الجد لتكون طرفاً هاماً في معادلة الاستقرار .
أحمدناصر محمد أقرين 12\2020


كل التفاعلا