قرية في الذاكرة
القرضة القديمة
تضم سبها قديماً ثلاثة قرى رئيسية هي: الجديد والقرضة وحجارة, وفي سبيل إماطة اللثام عن الظروف والمراحل التي مرت بها هذه القرى علينا أن نسترجع التاريخ, فهو خيرُ شاهدٍ على الماضي بغية إستشراف الحاضر والمستقبل قبل أن يعفي الزمان عن هذه القرى بتحول واحة سبها المكونة من قرى صغيرة متناثرة إلى مدينة حديثة مترامية الأطراف تسمى مدينة سبها.
1. قرى القرضة القديمة
القرضة القديمة كما يقول كبار السن هي المنطقة المحادية لجامع القصر " جامع الخلفاء " وكانت تمتد غرباً
إلى " العقلة ", وما بقى منها الأن عبارة عن شوارع ضيقة متعرجة بإمكان شخص واحد أو دابةٍ واحدة أن تسير فيها, أما الجامع فقد كان عبارة عن بناء أسطواني الشكل ملحقاً بالقصر المذكور, والظاهر أن كلا البنائين قديمٌ جداً, وحدثني الوالد رحمه الله أن معركة وقعت في الجاهلية – أي قبل الإسلام – بين هذه البلدة وبلدة الجهلة بمنطقة الجديد وتمت المعركة في موقع مدرسة علي بن أبي طالب, ومازالت المقبرة المقابلة تدل على ذلك.
فالقرضة قديمة تمتد لفترة ما قبل الإسلام, وهناك من يقول إنها أقدم المناطق أستيطاناً في واحة سبها, و بعضهم يقول أن الجديد أقدم, ويرى أخرون أن حجارة أقدم المناطق أستيطاناً في هذه الواحة وذلك ما أخبرني به الوالد رحمه الله, ولا يعرف ما هو إسم بلدة القرضة القديمة اما في العصر الإسلامي وبالتحديد ابان الحقبة الإباضية التي أمتدت من سنة 146هـ إلى 306هـ, 766م – 926م.
فإن المزارع القريبة من هذه البلدة تسمى " شهاوي " فلابد أن يكون ذلك هو أسم علم من القرية, وأن القصر المذكور المجاور للجامع إما أن يكون مقر الحاكم أو أنه كما جرت العادة في قرى فزان المختلفة مقراً لتخزين محاصيل مزارعي القرية.
بالإضافة إلى القرضة القديمة هناك قرى أخرى كانت من ضمن أمتدادها الإداري, ومنها قرية " الغنيات " وكانت كما شاهدناها مبنية على طراز القرى الإباضية 146هـ - 306هـ, فمدخلها عبارة عن قوس وأول ما يواجهك جامعها ثم منازل القرية التي تقع خلف الجامع, وأخبرني الوالد رحمه الله أن هذه القرية كانت ترتبط بقرية حجارة التي تبعد عنها مسافة ثلاث كيلو متر بطريق مبلط, وأنها في عز أزدهارها كان يخرج منها عدد أربعون فارساً وأسمها " الغنيات " يدل على غناها وأزدهارها بفضل المزارع المحيطة بها وحركة التجارة التي كان يمارسها الأباضيون مع البلدان الأفريقية ومدن الساحل, وقد هجرت هذه البلدة بداية القرن الرابع الهجري – العاشر الميلادي بعد الحروب التي خاضها بنو حطاب حكام زويلة سنة 306هجرية ضد الأباضيين في كل من تراغن وسبها, وقد وقعت المعركة الفاصلة عند موقع مقبرة سيدي حمد جهة فندق أفريقيا الحالي بين الأباضيين وقبائل مزاتة البربرية وزعيمهاعيسى بن خطاب المزاتي والتي أنتهت بأفول سيطرة الأباضيين على واحة سبها, وفي القرن السابع الهجري سكنت قبيلة المنانين القادمة من المغرب الأقصى وبالتحديد من مراكش رفقة الزعيم المرابطي يحى بن غانيه المتوفي سنة 631هـ.
سكنت هذه القبيلة بلدة " الغنيات " وفي بداية القرن العاشر الهجري هجر الناس هذه البلدة ربما لملوحة ماؤها وأنتقلوا إلى القرضة الحالية, والقرضة الحالية سميت بذلك لوجود بئر ماء عذب بجانبه شجرة قرض فأستحسن الناس النزوح إلى هذه المنطقة خاصةً بعد أن ملحت آبار بلدة الغنيات وغيض ماؤها, وكانت بالمنطقة توجد قرية قديمة هي " بطاح " سكنها البطاطحة وهم فرع من قبائل بني هلال نزحت من جنوب تونس وسكنت هذه البلدة وكانوا في حالة حرب مع قبائل بني بدر القادمة من برقة وقد أستهجن سيدي زايد الذي كان حياً سنة935 – 1955م هجرية أن يدخل البطاطحة بأسلحتهم إلى جامع القصر وطلب منهم العدول عن ذلك وعندما رفضوا الأمتثال هجرههم وبنى زاويته خارج أسوار القرية مقابل الزاوية السلامية الحديثة قرب ميدان القرضة الحالي 935هـ, أما الجامع الكبير أو الجامع العتيق ولا يعرف متى بني حيثُ لم تذكر المصادر أي معلوماتٍ عنه, وقد أخبرني المرحوم بشير الصبي أن محراب هذا الجامع من أصح المحاريب وأنه بني على مثال " جامع الناقة " في طرابلس, ومما أخبرنا به الحاج المهدي بن طالب رحمه الله إنه عند الشروع في بناء بلدة القرضة أحضر جلد الثور ووضعت خريطة لتقسيم القرية على القبائل النازلة بها وكانت البنايات في القرية مكونة من طابقين, شوارعها مظللة وكانت النساء يتزاورن فيما بينهن عن طريق الطوابق العلوية وقسمت القرية إلى حيين رئيسيين هما: حي الزكاري في الغرب وحي الرويس – نسبة إلى جبل صغير محادي للقرية – في الجهة الشرقية, والفاصل بين الحيين الشارع الرئيسي الذي يمتد من باب المسيد في الغرب إلى باب مهدي في الجنوب, وبني سوراً ضم أحياء القرية المختلفة وفتحت ثلاثة أبواب رئيسية هيا باب المسيد في الجهة الغربية, وباب مهدي في الجهة الجنوبية, وباب أحمودة في الجهة الشرقية.
ومن القرى المضافة لبلدة القرضة قرية "البويرات" تقع في الجهة الشمالية الغربية وكان يسكنها في القديم أبناء اجنين.
وإلى الغرب من قرية القرضة وعلى بعد نصف كيلو متر تقع قرية البستان وقد وقعت بها معركة بين الخرمان والناصر بن محمد الفاسي سنة 1570م أنتهت بهزيمة الخرمان وأستيلاء أولاد أمحمد على واحة سبها وأتخذوها عاصمة لملكهم قبل أن ينتقلوا إلى مرزق.
وفي الجهة المقابلة – أي الجهة الشرقية لبلدة القرضة فقد كانت قاهرة عامرة وكان يسكنها الدرابكة, وقاهرة حصن منيع وبناء قديم يقال أن بناته هم الرومان عند أحتلالهم لفزان سنة 19 قبل الميلاد, وقد تعرضت للتخريب والتدمير عدة مرات, وقد أعاد بناؤها السلطان محمد بن جهيم سلطان فزان من أولاد أمحمد المتوفي سنة 1061 هـ – 1681م, في الحرب التي وقعت بينه وبين الأتراك التي أستمرت لمدة خمس سنوات, أحتلها الجنرال مياني الإيطالي سنة 1913 وأتخذها عاصمة لأقليم فزان وباشر في إعادة بنائها على الشكل الذي هي عليه اليوم, والبئر الذي حفر بالصخر بعمق 50 متراً يقع خلف الباب الرئيسي للقلعة هو من آثار الرومان, وكانت العديد من المزارع الغناء في الجهة الجنوبية للقلعة مضافة إليها وتسمى بغابة " عكنزي " وإلى الشرق من هذه القلعة وبالقرب منها تمت قرية صغيرة تسمى " سريانة " أشتهرت لوجود ضريح أشهر مرابطي البلدة وهو سيدي عبدالله وهو رجل مغربي آثر أن يعيش في هذا الجب فدفن فيه, وكان يقام له مزاراً سنوي من قبل الأهالي تخليداً لذكراه, وقد بنى الإيطالييون في هذه القرية فيلات لضباطهم كما أستعملها الفرنسييون للغرض ذاته.
وفي السنوات الأخيرة أضيفت منطقة سريانة إلى مطار سبها وأصبحت جزءاً منه.
فكل شيء هالك إلا وجهه عليه توكلتُ وبه أستعين.