ميثاق اهل الصحراء

الكاتب:  بتاريخ:

كل شيء يبدو الآن اكثر ضياء ، ولكنه أشد حزنا كذلك .. هنا في فزانيا يستطيع المرء أن ينسى نفسه وهو ينظر الى الفضاء الواسع المقفر ، لكن تمت ما ينغص الحال ، ويعكر المزاج ، تبلور فقاعات الحزن الجاثم على الصدور ، ومواطن ينوء بما لا يطاق ، وآهات تصدر من الاعماق ، من قلب انسان تألم كثيرا واحتمل ، حالة من الترهل التام ، اختلط فيها الحابل بالنابل ، وتاهت البلاد والعباد في دهاليز الأجندات الخارجية ، وأمواج التشكيلات القبلية والجهوية .

فزان هذا القفر الصحراوي المقفل يرزح بين نيران الحنق والاقتتال ، حصار في لقمة العيش ، وتمتمات تعيد العزف على نبرة التهميش الذي طال سقمه ، وتضخمت وطأته ، حتى بات اشبه بالعزل الاجتماعي ، ناهيك عن العزل السياسي الممارس ، وحيثما دققت النظر ، تطالعك الاسئلة المكررة ذاتها : ( كم وزير من فزان ؟ كم سفير ؟ ، كم مدير ادارة ؟ ، وهل تم باختيارهم ؟ ، كم طالب موفد بين الالاف المؤلفة ؟ .. الخ ) ، ولا مكان للحديث عن لجان العلاج والبعثات . واكثر من هذا وذاك . صودرت آراءنا ، مرة بتهمة " اتباع النظام السابق " ، وأخرى باختيار شخصيات تنوب عنا ولا تمثلنا ، وثالثة باختياراتنا الراسخة الجذور في مستنقعات القبيلة دون مراعاة للكفاءة والخبرة .

غاب الامن والامان ، واضحى القتل وسفك الدماء عنوان ، وولجنا عصر جديد ، ومرحلة وقعها صديد ، وحرب ضروس ما ان تخبو السنة نيرانها تستعر ، وبات ما نتأمل ، ابعد مما كنا نتوسم .

تتقيأ المدافع تمزق احشاء الوطن ، لتفتح ابواب الجحيم ، وصخب يزداد قرعه، والارصفة تغلي ، وصيحات الخطر تعلو ، حشد المصالح بدلا من استحضار المبادئ ، وسؤال المستقبل الغامض الى اين ؟.

كلمات تفيض نزقا وتشتكي بلوعة المتألم الذي لا يزال يأمل في رأب الصدع ، ورتق الفتق ، كلمات تشكو التهميش ، وواقع الفقر والبؤس بفزان التي ظلت كما كانت نسيا منسيا ، وعن امتعاض الساكنة من نقض الوعود والشعارات التي علت واجهات الشوارع والأزقة والباحات ، اوآن الانتخابات ، وكيف ذهبت سدى ، كلمات نعي تأتي لتؤازر واقع البلاد عموما .

كلمات تستدعي امتعاض اهل فزان من نواب ووزراء ممثلين لهم ، ولا قرار لهم، وعن المرجعية التاريخية لحظة الاستقلال التي منحت اهل الاقليم حصة الثلث ، في كل حوار سياسي يقرر المصير ، وسؤال حول الدستور ، وما اذا كان سيحفظ لهم ذلك الحق ، وقد خيم اليأس ، وكلام تدروه الرياح ، وقد بحت الحناجر من الصراخ بلا جدوى ، ودبجت المئات من صحائف الشكوى المثقلة بزفرات التذمر والأنين ، عن الامن والأمان ، والانفلات الامني ، والتهريب العابر للحدود ، ومؤسسات مترهلة نخرها التسوس وضاقت درعا بالوجع ، ومتى يمكننا تشكيل وعي ناضج يضمد جراح الجنوب ؟ .

ماذا بقى يا اهلنا .. اهل الصحراء .. أليس الوقت قد حان لوقفة جنوبية ترنو الى لم الشمل وتضميد الجراح ، لكن هذه المرة ، بأيدينا ، وسواعد ابنائنا وعقلائنا ، لقد حان الوقت لوقف التشكي ، والى نبذ الاحقاد ، رأفة بأهلكم ووطنكم ، لا احد يدري معناتكم ، وقليل من تهمه غيركم ، نسألكم برفقة الاجداد والاباء .. وقفة ولقاء .. تصافح وتشاور واخذ بزمام الامر ، حبل النجاة ، لقد استفحل الداء .

" كتبت الرصاصة ماضينا ، فليكتب التعليم مستقبلنا " ، هذا ما ينبغي ان يكتب علي قلم التوقيع لميثاق جديد ، يؤسس لعهد جديد ، ميثاق اهل الصحراء ، صحراء فزان .