المحاكمات لا تنهي الحروب

الكاتب:  بتاريخ:

لا يمكن إنهاء الحروب الأهلية باعتماد المحاكم والمحاكمات .. يميل المجتمع الدولي لإعطاء الأولوية للإصلاح السياسي ، بدلا عن التركيز على تجريم مرتكبي العنف . وثمة اعتقاد بعدم كفاية المحاكمات باعتبارها ذات دوافع سياسية ، اكثرا ما تكون احكامها بمثابة رد فعل على العنف الجماعي المرتكب . والذي هو مسألة سياسية أكثر من مجرد كونه مسألة جنائية .

من الأفضل في بعض الأحيان إرجاء او وقف المسؤولية الجنائية حتى تتم معالجة المسألة السياسية الأساسية .. كما ان غياب الواقعية السياسية لتقبل افكار المصالحة ، ندير بتوالي الإخفاقات السياسية التي تهدد مستقبل البلد .

منذ نهاية الحرب الباردة تطلع العالم إلى محاكمات نورمبرغ ما بعد الحرب العالمية الثانية كنموذج لإغلاق ملفات الصراع والحرب والعنف الفضيع . وأسس لمحكمة الجنايات الدولية فيما بعد لتكون المنبر المفضل للمحاكمات الجنائية ، تأسيا بذاك الماضي العتيد ومعالجاته ، وبهدف ادماج اطراف الصراع في العملية السياسية . لكن تلك الاساليب المتوارثة افرزت مع مرور الزمن واقع مترهل ، بينما الجلوس على طاولة التفاوض المباشر بدلا من تجريم أو شيطنة الجانب الآخر ومغرياته ، انتج بيئات سياسية اكثر وفاقا وانسجاما . وهي عملية سياسية اجتماعية صعبة ومعقدة وتستلزم صبر ومراس طويل للقائمين عليها . اذ لا شك ان الحقد المتأصل في النفوس قد يدفع بفئات من الفرقاء الى الرفض ، بل وفي احيان اخرى ، العودة الى العنف وتأجيج المواقف الصدامية . كما حدث في جنوب افريقيا - على سبيل المثال – بعد حقبة مظلمة من الصراع والميز العنصري ، انتج الحوار ميلاد عصر جديد من الامن والاستقرار ، واضحى الاعتراف بالاخر وتساوي حقوق المواطنة اس الوفاق ، وقد اتخذ شعار " الحقيقة والمصالحة " اسلوبا لتخفيف الاحتقان ، ومدخلا لإصدار العفو بالتزامن مع الاعتراف والاعتذار . ولم تخر عزائم القائمين والراعين للنهج المنغصات من مواقف رافضة ودامية وعثرات على الطريق . وتخلل العملية اغتيال زعيم الحزب الشيوعي ، كريس هاني ، الذي يحضا بشعبية واسعة ، لكن النتيجة النهائية ، انتصر الوفاق السلمي والاندماج تحت مظلة نظام سياسي جديد يستوعب الجميع . وأصبح أعداء الأمس مجرد خصوم وأجنحة لعملية سياسية واحدة .

لا يمكن للانقسامات السياسية ان تلتئم باعتماد نهج وحيد على غرار محاكمات " نورمبرغ " ، الضرورة تقتضي افق ارحب ، وعملية سياسية اجتماعية ناجمة عن اقتناع راسخ بامكانية تحقيق تعايش داخل الوطن الواحد ، ليس فيه منتصر وخاسر ، وذلك وحده الخيار الكفيل بتمكين الناجين من الحرب لملمة جراحهم وجراح وطنهم ، وتدشين مرحلة جديدة ، وبدء المسير للامام ، ورمي مخلفات الماضي واحقاده .

المحاكم غير مناسبة لتدشين نظام سياسي جديد معافى بعد الحروب ، ويمكنها ان تأتي فقط في ظل النظام السياسي الجديد ، كأدة لمعاقبة امراء الحرب ، ومرتكبي الفضائع الفردية ، ولتستثني بيادق اللعبة المأمورين . تلك حقيقة ادركها الزعماء الافارقة في معالجاتهم للصراعات التي تقصم ظهر القارة .

في المحاكمات الجنائية ، اما مذنب ، وإما بريء . وفي غالب الاحيان المتهم مذنب والعقوبة تنتظره ، بدء من ابعاده عن المشاركة السياسية ، الى السجن لفترات قد تمتد بعمر الحياة . ذلك نوع من الاقتصاص الذي يشكل خطرا على الجانبين بالمدى الطويل . ففي الحروب الأهلية ، لا أحد بريء بالكامل ، كما لا احد مذنب بالكامل . والعنف الشديد نادرا ما يكون فعل مستقل . بل وفي أكثر الأحيان الضحايا والجناة يتناوبون الادوار في حلقة العنف ، الفعل ورد الفعل .

ما حدث في ليبيا ليس استثناء من القاعدة ، انتفاضة شعبية انتجت هزة عنيفة .

هل يمكننا تصور قبول البيئة السياسية في ليبيا لهكذا طروحات .. ام ان امر المصالحة الوطنية سيبقى معلقا … ننتظر .