محمد القطروني

محمد القطروني ، دليل الصحراء ، ومرشد العابرين ، من اهل الصحراء ، ورائد خبراء دروبها و مسالكها ، خلال النصف الال من القرن التاسع عشر ، كرم من قبل الحكومة الالمانية اواخر حياته ، ومنح نوعا من التقاعد لقاء خدماته ، ونشرت أحدى الجرائد الألمانية نبأ وفاته . عرفانا بامانته ، ووفائه ، وحرصه ونزاهته . فقد كان خير رفيق للعديد من الرحالة الاوربيين المستكشفين . وأحرزت الرحلات التي عمل مرشدا لروادها النجاح في اجتياز مخاطر الصحراء وأدغال افريقيا .

" محمد القطروني ، مفتاح الصحراء " ، عنوان مقالة للاديب شكري الميدي ، وقد اجزل في ذكر مآثره ، وطيب سيرته ، مما ورد على لسان من رافقوه عبر رحلاتهم بالصحراء الكبرى . بدءا من رفيقه الاول الرحالة " بارت " ، والذي ندم كثيرا عندما عاد الى بلاده في انه لم يغدق عليه المال الكافي الذي يليق بحجم المهمة والمخاطرة . وقد زكاه لدى الجمعية الجغرافية الاوربية كي يستعين به بقية الرحاله من بعده ، وذلك ما حدث . فقد رافق من بعده دوفيريه ، وبريرمان ، ورولفس ، وناختيغال .

الانسان كما الفكر .. وليد البيئة التي ترعرع فيها دائما ، والبحث في طباع القطروني ، وخصاله الحميدة التي تحلى بها ، يقود الى تحري البيئة التي صقلت معدنه ، والمكان حيث عاش وتشرب اخلاقه وأعرافه ، صحراء فزان ، والقيم التي تحكم علاقات الناس فيما بينهم ، في تلك الحقبة التاريخية . يصف لنا المشهد ، الرحالة غيرهارد رولفس الذي زار فزان عام 1865م ، واختار القطروني رفيقا له . يقول : ” في طباع اهل فزان تتبين انهم شعب طيب ومستقيم وداخل منطقة فزان يشعر المرء بالامان من قطاع الطرق واللصوص ، وفي وسع المرء ان يدع في وسط منطقة اهلة اغراضه دون حراسة ودون ان يكترث انها قد تسرق .. وفي يناير 1870 يكتب الدكتور ناختيغال وهو اخر اوربى زار فزان الى الدكتور باستبيان في مجلة الجمعية الجغرافية تعتبر السرقة في فزان امرا مشينا .. وإنني اؤيد رتشارد سون في رأيه عندما يقول : ما من بيت له قفل او درباس فأبناء فزان لا يسرقون مطلقا ” .

هنا استمرار لما كتبه الاديب الميدي في التعريف بهذه الشخصية التاريخية ، مما اورده الرحالة الالماني رولفس 1965 م . فما ان سمع القطروني بقدوم احد اقارب رفيقه القديم لسنوات ” بارت ” وقد وصل الى مرزق ، سار اليه يتحرى انباء صديقه . يقول : ” لقد زاد عدد مرافقي بانضمام رفيق بارت السابق اليهم . ان محمد القطروني الكبير السن ، عاش ف بلدة صغيرة في اطراف فزان بعد ان انتهت رحلة بارت ، وما ان سمع بأن اوربيا ابن عم عبدالكريم ( هكذا كان يدعى بارت ) قد وصل الى مرزق حتى توجه اليها يسأل عن صحة صديقه السابق ، وعلى الرغم من انه اقسم لزوجته انه لن يذهب في رحلات بعيدة قبل عرضي ان يدخل في خدمتي ويرافقني الى كوكه دون تودد ، وانه يود ان يبقى اطول مدة مع اسرته . وقد اذنت له ان يحضر الى مرزق زوجته من التبو وابنه ومملوكه وجمله وعنزته وان يسكنوا بيتي ” . ص 164

في مطلع العام وقبل التوجه الى كوكه ، قام رولفس برحلات قصيرة للمناطق المجاورة لمرزق ، احداها الى تراغن رفقة القطروني ، وكانت تجربته الاولى معه بما تحمل من وفاء وتسامح ديني . قال : ” وخلال هذه الرحلة القصيرة تعرفت على مزايا محمد القطروني التي لا تقدر بثمن ، فلم يشارك مزاح وهرج الاخرين ، وكان يسير بجدية وتؤدة ، ولم يشبهه احد في معاملة الجمال في مهارته وسرعته عند تحميل الاغراض وتنزيلها ، وفي التنظيم العملي للسير ، وفي اختيار مضارب جيدة . ان امانته وإخلاصه واستقامته كانت تسمو فوق كل شك ، قال لي عند بدء عمله لدي ، انتم في دينكم ونحن في ديننا ، ولكن عندما تريد ان اذهب معك على اسم الله مثلما خاطرت بحياتي في سبيل ابن عمك ، فأنني ايضا مستعد للموت في سبيلك . ولم تكن هذه مجرد كلمات فارغة ، وفي كثير من المناسبات اثبت تضحيته في سبيلي ، وان حسن ظن بارت فيه كان مبررا على الدوام ” . ص 165

يحدثنا ايضا عن لحظة استقباله لنبأ وفاة رفيقه . يقول : ” وفي خيمتي امام تراغن بلغني يوم الاول من فبراير النبأ بوفاة بارت ، وقبل عدة اسابيع تسلمت منه رسائل بالإضافة الى جهازين لقياس ضغط الهواء ، وبعض موازين الحرارة ، وكنا نتراسل باستمرار وعلى وجه الخصوص حول لغات دواخل افريقيا ، .. وان احدو حدوه في دراسة هذه اللغات . وفجأة وصلت رسالة من اخي يبلغني فيها وفاة هذا الرجل الجليل ( انه في الجنة ، رحمه الله ، قال القطروني عندما ابلغته النبأ المحزن .(

بعد العودة من تراغن ، وأثناء الاستعداد للتوغل نحو وداي عبر بركو . " الساعة المحددة حضر جميع الاعيان .. القائمقام ، القول اقاسي ، الخزندار ، القاضي .. شيخ البلد ، رئيس المجلس .. وجرى الوداع بصورة احتفائية وتبادلت الكلمات الودية .. وان زوجة محمد القطروني الظريفة التي وضعت قطعة مرجان كبيرة في الفتحة اليمنى من انفها اخذت تبكي ألما على فراق زوجها دون ان يظهر اية ليونة ، فإذا ما اظهر ، فان هذا يتنافى مع وقاره " .

في القطرون حظي باستقبالا خاصا ايضا . " لقد وجدت لدى مرابطي القطرون ولدى رئيسهم الحاج جعفر ويشغل منصب مدير وادي القطرون ، استقبالا وديا وضيافة واستمتع طباخي بالاستراحة التامة . لقد سرهم ان يجدوا محمد القطروني بين رفاقي ، فهم يعتبرونه من ذويهم ولو انه لم يولد في القطرون " .

اخطار جمة تتربص المسافر عبر الصحراء ..فبالإضافة الى المخاوف من اعتراض قطاع الطرق ، العطش ، وحاجة الى الارتواء بمقدار سد رمق يسمح بمواصلة الرحلة ، كميات المياه المحملة محدودة ، وما لم توزع بانتظام في مواقيتها ، قد تتعرض القافلة للهلاك ، وتضطر لبقر الابل والارتواء بمخزون المياه ببطونها . ويبدو ان محمد القطروني لطول ما واكب الترحال مرشدا للقوافل ، يأخذه الحذر من عضة العطش ، ولا تغيب عنه الحنكة في تفادي الكارثة . سأله رولفس : " لماذا تربط القرب على ظهر الجمل بحيث تكون الفوهة نحو الامام ؟ اجاب : لقد اخذت هذا عن قوافل الرقيق ، فقد كانت افواه القرب الى الامام كي لا يشرب الرقيق سرا ، وعندما يقترب المرء من القربة ، عندئذ يقف الجمل هادئا ويصدر صوتا يشير الى ان احدا يفتح القربة " . ص 194

خصال من كنوز الدهر .. طبعت خلق القطروني وصاغت محتده .. الوفاء ، الصدق ، الفروسية ، الصبر ، الجلد ، الانفة ، الحرص ، الحذر ، الصرامة ، دماثة الخلق .. معاني قيم تشربها .. واوفى بها .. في ارض خصبة .. صحراء فزان .